I'm not just a donkey - I'm a terrorist one

Tuesday, 19 June 2012

سيرة مريض نفسي | الجزء الثاني


هناك أنواع أخرى من الخوف كنت أواجهها بالجبن والتردد وهو خوف الإنتقال من موقع حزبي إلى آخر ومشقة التعرف على أناس جدد ومهمة جديدة وبعد الحرب كانت مشقة التعرف على مهن جديدة والالتزام بدوام والعمل في أجوائها يثيران فيّ الذعر والإنكفاء عن العمل ومحاولة تركه ومغادرة المكان والهروب من ضغطي النفسي وتنشق الهواء الذي يمنحني الحرية ويمنع من تفاقم داء الربو الذي أعزوه إلى مشاكلي النفسية لذلك لم أنجح في حياتي المهنية على أنوعها ولم أوفق في إمتلاك أي شيء أو الترقي في الحياة رغم الفرص والظروف الجيدة التي صادفتني في بعض الحالات التوتر والذعر سيدا الموقف والخوف من المجهول وضغوط العمل والجدية المصاحبان لكل بداية تضنيني لذلك أحاول دوماً التخفيف منها بالسخرية لتذليل الصعوبات على 
نفسي التي لا تنجح دوماً.

الإرباك له مشاكله الأخرى ومحاولات معالجته كانت مستمرة من قبلي فكنت أركز إنتباهي على تصرفات الآخرين دوماً لأتعلم 
منهم كيف يتصرفون حرفياً لأستدعيها في ذهني فور وقوعي في ظروف أفترضها مشابهة ما يجعل الأمر كله مفارقات ضاغطة محزنة ومضحكة ومبكية في مختلف الأوقات الأمر الذي يجعلني مشلولاً عاجزاً فاقد الحيلة لأبادر وأنقذ نفسي والآخرين من الورطة التي أوقعت نفسي بها إنها معضلتي الكبرى دوماً وأحاول دوماً التفتيش عن حلول لمعضلات أفترض أنها ستقع معي مستقبلاً مكرراً التجربة ذاتها كل مرة ما يجعل رأسي يدور ويدور إلى أن أتعب دون أن أتمكن من النوم أو حتى أخذ قيلولة صغيرة في السرير فأنا دائماً متيقظ ويغالبني النعاس في دوام العمل في ذروته أي في الأوقات الخطأ.وكنت أستلذ بوجود الناس كي أدخل في سبات متقطع غالباً ما تنهيه واجبات العمل على أنواع ما عملت من مهن.الإنتباه يجعلني عديم الثقة بالناس ومتشككاً بنواياهم التي أعتبرها دوماً سيئة ولا بد لي من فحصهم بشكل مستمر ومراقبتهم وإبداء الملاحظات الكثيرة على تصرفاتهم التي أقيسها بناء لقيم مثالية أنا نفسي أعجز دوماً عن تطبيقها الأمر الذي ألزمني بسلم قيم أرضخ له نفسي الأمر الذي يجعلني قليل الحيلة والحركة أمام الخيارات الضيقة المتاحة أمامي نتيجة للمثالية أو الطهرانية في كافة سبل العيش ما جعلني راهباً دون أن أكون في أي دير بل كان ديري فضائي الذي كنت أحيا فيه دون أن أسمح لنفسي بالخطأ وإن أخطأت أعنفها وأجازيها أو أعاقبها شر عقاب إستمر هذا الشعور يلازمني حتى حين بلغت أزمتي ذروتها بعد أن عدت من هجرتي مريضاً فقررت وبعد نصيحة أحد الأصدقاء من السخرية من مرضي فسخرت من مرضي ومن الآخرين كعقاب لهم تحت ذريعة الإضحاك فكنت أضحك منهم ومن نفسي كنت اشعر بالذنب في قرارة نفسي الا ان الأصدقاء كانوا يستسيغون هكذا نوع من الوقاحة وكنت أحاول إقناع نفسي بصحة ما ذهبوا إلى تفسيره إلا أنني لم أزل غير مقتنع بما أقوم به من وقاحات وأحاول دوماً التخفيف من حدتها على نفسي بتذكر تبريرات وضحكات أصدقائي لها.عدم الثقة بالآخرين يولد عدم الثقة بالنفس وتمسي لعبة الشكوك متبادلة من الآخرين ومن نفسي ومن مرض قراراتها ومن خياراتها ومن تجاربها الفاشلة والتي أحللها بشكل دائم دون أن أجد السبيل للنجاح كما وأن فكرة تقديم النفس إلى الآخرين يظلله الخجل وعدم القدرة على التعريف عن نفسي بداية الأمر الذي يجعل التواصل مستبعداً والصمت سيد الموقف من قبلي والشرود الدائم والسهيان عن الأحاديث المتبادلة حيث تعوزني روح المبادرة للكلام أو المشاركة في الأحاديث أو القدرة على الإنسحاب من الجلسة حيث أنني أجهل الوقت المناسب للقيام بهذه البادرة أريد أن أجلس مع الناس إلا أنه كان لدي مشكلة في التواصل وإذا ماحاولت القيام بأية بادرة يتهدج صوتي وأرتجف وتبدأالشكوك تساورني لجهة صحة ما أقوله فيعود الإنتباه ليتحرك ويصاحبني في الأحاديث ما يجعلها مختصرة دون توضيح قصدي فأقع في سوء الفهم حين يتم تأويل أقوالي إنها معضلة كبرى في فتح الأحاديث وغالباً لا أشارك في المجادلات لأني متيقن من الفشل في مجاراة الآخرين في هذا الشأن.
عدم القدرة على التواصل جعلتني فاقد القدرة على الترقي في عملي الحزبي فبقيت عنصراً عادياً طيلة فترة مكوثي أو تفرغي في العمل الحزبي الذي استمر لأكثر من عشر سنوات دون أن أتمكن من تأمين أبسط مقومات العيش لتأمين مستقبل عائلي كريم لي ولشريكة حياتي حيث أني أعتقد أن ردود أفعالي الفجائية والخارجة عن المألوف والغضب غير المتوقع غالباً ما جعلني في وضع غير جدير بثقة الذين يحيطون بي أو المسؤولين وإن كنت محط تقدير وإعجاب على مستوى العلاقات الشخصية بين رفاق الدرب الذين كنت أكن لبعضهم مودة خاصة كانوا يبادلوني إياها.

فقررت فجأة السفر والهجرة إلى أميركا الجنوبية كي أقوم بتأسيس عمل وعائلة وفتح صفحة جديدة في حياتي فسافرت وكنت أتوقع أن ينتظرني مستقبل جيد كي لا أقول باهر فكان بإنتظاري الإنتباه مجدداً معيداً تكرار حياتي السابقة إنما مع إضافات جديدة أكثر خطورة وهو تفجر مرضي النفسي ودخولي المستشفى في رحلة عودة صاخبة مفجراً نفسي وعائلتي على حد 

سواء.


يتبع
الجزء الأول هنا:   سيرة مريض نفسي | الجزء الأول

سيقام حفل توزيع مجاني لهذه السيرة نهار الإثنين ٢٥\٦\٢٠١٢ في  






                                                      

Monday, 18 June 2012

سيرة مريض نفسي | الجزء الأول

الحمار الإرهابي و ثريا سيقومان بنشر "سيرة مريض نفسي" لعادل نصار في سبعة أجزاء على مدى إسبوع 
سيرة جديرة بالقراءة 

"بعد محاولات قام بها الأطباء طيلة عشرين عام لتشخيص طبيعة مرضي وما نجحوا وما استطاعوا أن يمنعوا المرض من التفاقم دوماً.هنا محاولة من قبلي للإدلاء بدلوي في شأن يخصني علّني أصيب أو أصوب الأمور في الإتجاه الصحيح"
                                                        عادل نصار





الإنتباه
لم يكن ربيع العام 1976 موعداً مع إختفاء شقيقي الأوسط أثناء إحدى معارك الجبل الشهيرة فقط.

وأيضاً لم يكن خريف العام 1976 موعداً مع موت أمي وأبي وشقيقي الأصغر ونجاة أخي الأكبر في إنفجار لغم أرضي بسيارتهم التي تقلهم الى مدينة صيدا الجنوبية فقط.

كان لي موعداً مع نوع آخر من الأمور رافقني طيلة حياتي وحتى لحظة سفر ولدي الوحيد الى بلاد الإغتراب اللبناني الأول في أميركا الجنوبية أي البرازيل .

كان لي موعد مع الإنتباه واليقظة الدائمين أنهما رفيقاي في حياتي ما جعلني أفقد لذة النوم والإسترخاء وجعلني دائم التوتر.

فذلك السبات والغفلة التي يعرفهما المرء في صغره في ظل وجود الأهل والإطمئنان الى أن الحياة تسير بشكلها الطبيعي والروتيني , لم يعد موجوداً فجأة.

لم أعد مطمئناً الى أن الحياة لا تخبئ الأعظم ولم أعد قادراً على السهيان أو الخلود الى الراحة, دائماً ما كنت أنتظر شيئاً ما حدثاً ما وبالفعل كان بإنتظاري مرضي النفسي ومحاولة ولدي تكرار تجربتي في الإنخراط بأحد الأحزاب العسكرية التي كانت تجعلني أتصور وأنتظر مجيء موته بين لحظة وأخرى أو موتنا جميعنا بفعل إشتباك داخلي أو حرباً إسرائيلية نكون من بين ضحاياها خاصة بعد أن مكث في الضاحية الجنوبية في حرب العام 2006 في أحد ملاجئ بناياتها لمدة تسعة أيام أو أكثر بقليل. الأمر الذي أنهك أعصابي وأتلفها تلفاً شديداً.

والإنتباه أو تركيز إهتمامك على حدث قادم تجهله يعيق حركة الإنسان ويجعله لا يجيد عمل شيء ولا حتى أن يبرع في شيء فأنا ورغم إمتشاقي للسلاح إلا أني ما كنت أجيد استعماله وكنت كلما حملته ترتجف يداي والإرتجاف مرض عانيت منه طويلاًوحتى اللحظة فأنا أصاب بها حتى إذا ما قمت بأدنى عمل وأرتبك في البدايات من النقاش من الأعمال اليدوية أصاب برجفة برد قارس دوماً تصاحبني طويلاً تجعلني عاجز عن الدفاع ليس فقط عن وجهة نظري بل حتى عن أبسط حقوقي التي أقوم بالقفز عنها وتجاوزها لأنني لا أشعر بأنني سأمتلكها لوقت طويل ولن أحافظ عليها بل سيأتي شيئاً ما يبددها وينتزعها مني لذلك لا داعي للصراع على حقوق سأفقدها في نهاية الأمر, إنه الإنتباه, إنها اليقظة الدائمة , إنه المرض.

الإنتباه واللعب في الطفولة أمران متناقضان الا أنهما كانا متصلان ومترابطان في مرحلة طفولتي غداة وفاة أمي وأبي وأستطيع أن أتبين الفرق بين قبل الوفاة وبعدها حيث أنني أثناء لعبي في ظل وجودهما لم أكن أفكر في اللعب الذي ألعبه أو طبيعته كنت طفلاً غفلاً بهذا المعنى لا يعير إهتماماً للمخاطر وكنت أستمتع وألعب غير مقدراً للأبعاد والحدود الواجب الوقوف عندها في ما بعد وبعد وفاتهم كان التفكير سيد الموقف والتدقيق , لذلك لم أكن أستمتع بألعابي وظل السؤال لماذا لا أجيد القيام بما يقوم به أترابي مع أني كنت من المتفوقين عليهم في الألعاب البدنية والشيطنة على أنواعهافيما بعد لم يعد جسمي ملكاً لي أصبح أسير الإنتباه الدائم والتيقظ المستمر اللذين أعاقا حركتي وطفولتي التي توقفت عن عيشها غداة موتهم.

الإنتباه رفيق العمر والدرب منذ الطفولة, الطفولة البائسة والتعيسة في أجواء البرد القارس والحر الشديد حيث لا أجيد عمل شيء وحيث من الطبيعي أن يكون الفشل المدرسي سيد الموقف فكنت أعمد الى كل أشكال التزوير كي أنتقل من مرحلة دراسية إلى أخرى وكانت فترة التزوير مثل سرقة أسئلة الإمتحانات والتوترات غير الطبيعية والمبالغ فيها من قبلي التي ترافقها تؤذي أعصابي وجهازها بالأضافة الى نفسيتي , وكنت دوماً أحاول تركيب صورة مغايرة عن شعوري الدائم بالعجز والفشل في أذهان الآخرين متعمداً تصوير نفسي بصورة الولد الأخلاقي والمجتهد رغم الظروف البائسة التي ترافق حياتي فنجحت دوماً مع الآخرين ربما بفعل الشفقة التي كان يتعاطف بها معي الآخرين في ظل كارثتي العائلية والتسامح الكبير من قبلهم الأمر الذي سمح لحيلي بالإنطلاء عليهم إلا أنها لم تنطلي على نفسي فأنا فاشل دراسياً وفي حالة فقر وبؤس فقررت مغادرة مقاعد الدراسة وأنا في سن الخامسة عشر للإلتزام والتطوع بأحد الأحزاب العسكرية في العام 1980 واضعاً حداً لفترة من حياتي مفتتحاً مرحلة جديدة عنوانها الرجولة في سن مبكرة , رجولة لم يقيد لي ممارستها بفعل عدوّي الآنف الذكر أي الإنتباه.

الإنتباه ليست حالة بالمعنى الإيجابي للكلمة بل على العكس من ذلك إنها حالة تشبه اليقظة الدائمة لإنسان لا يلاحظ شيئاً في النهاية ولا ينتبه لأي شيء ولا يتأكد من أي شيء يراه أو يلمسه هو في حالة شك دائم مما يراه ولا يستطيع أن يستخلص شيء من ملاحظات ولا يستطيع أن يعطي تقريراً قصيراً عما كلف به فهو غالباً ما يقع إما في المبالغة أو التقليل من شأن ما يراهبهذا المعنى هو غير دقيق وحاولت دوماً أن أنمي ملكة سرد كل التفاصيل لأترك للآخرين الحكم عما رأيته أو مشاهدته أو لاحظته إذا ما كان مهماً أو لا.

كنت غير جدير بالحكم على الأشياء حتى وإن كانت لصالحي فأنا أجهل إن كان ما يحصل معي إيجابياً أو سلبياً وأترك أيضاً الحكم للآخرين على ذلك وكنت أجهل إن كنت محل تقدير أو لا.كنت لا أعرف كيف يتصرف الأشخاص الأسوياء بهذا المعنى كنت رمادياً لا أعرف متى أغضب ومتى أهدأ وغضبي كان من النوع البركاني وفي فترات متباعدة وكان غالباً ما تكون الأسباب تافهة إلا أنها تفجر كل الذي أكتمه من غيظ وغضب لذلك كانت أفعالي غير متوقعة كالألغام التي تنفجر فجأة سلباً أوإيجاباً غضباً أو صفحاً عن الآخرين.

لم تكن المهن التي عملت بها من النوع العادي في طفولتي رغم أني من النوع الذي ذكرت أي الشخص الذي لا يجيد صناعة شيء فقد كنت ولسنوات بصحبة السلاح دون أن أطلق الرصاص يوماً بالمعنى الفعلي للكلمة على شكل إشتباك أي حرباً ما وكان السلاح يهتز في يدي حين أطلق النار ويرتجف بها جسدي كله لا أدري أسباب ذلك وأن كنت أعزوها لعدم التصالح مع هكذا أنواع من الأعمال الخطرة وكنت أفضل الهدوء والسلام ولم تغيرني هذه المهنة رغم أني بقيت فيها لمدة تتجاوز العشر سنوات فأنا كنت مقاتلاً وحرساً للمركز الرئيس لأحد الأحزاب ومرافقاً لشخصيات هذا الحزب إلا أنني لم أستسغ أي منها وتكلفتها على أعصابي كانت مرتفعة بسبب قلة النوم والراحة التي أعزوها لحالة التيقظ الدائمة والإنتباه غير المبرر فكنت أحاول معالجتها في الإدمان على الكحول التي لم أجد أيضاً فيها لذة في تناولها إلا أنني ومجاراة للوضع وفي سياق المبالغة والتبجح ومحاولة صنع أسطورة لنفسي والتماثل مع الآخرين كنت أقاوم سكري الذي يدب فيي بعد أول زجاجتين من البيرة وأصبح شخصاً لا يدرك ماذا يفعل وأقول أشياء لا معنى لها كل هذه الأعمال في محاولة لرسم ملامح أفتخار ما بصفتك شخص مميز موثوق به في الحزب وتكلف بمهمات لا يكلف بها غيرك وسلوكك المثالي وسكير ولا يأبه للعائلة رغم الخسارة التي منيت بها ويرهن روحه ومستقبله للقضية على حد تعبيرنا الشائع آنذاك.

لم أكن أجيد عمل شيء حتى ممارسة الجنس بطبيعة الحال رغم معرفتي بالعديد من النساء إلا أن الإرباك كان سيد الموقف كما أن العناية بالهندام والإستحمام كنت أتلكأ في عملهما كنت شديد الميل إلى الإكتئاب والحزن وأمر فيها في دورات طويلة منها وفجأة يعم الإنشراح على أعصابي الأمر الذي جعلني عاجزاً جسمانياً عن مواكبة هذا الفوران من الإنشراح ويعيق حركتي فأشعر بحاجة ماسة لممارسة الجنس والخروج مع النساء لكن سرعان ما تنقضي هذه الحالة بفعل الذروة السريعة التي أصلها جنسياً ومزاجياً الأمر الذي يجعلني في حمأة الفوران أرتكب المزيد من الأخطاء وأعود من جديد لأهمل نفسي وهندامي ولأدخل من جديد في دوامة الحزن والإكتئاب الشديدين , الخوف عامل إضافي في تجربة الإنتباه الدائمة وكنت أحارب الخوف بالتوجه نحو مصدر الخوف بمحاولة الهجوم عليه الأمر الذي يزيدني رعباً إذ أنه من غير الممكن أن تكون بطلاً في الحرب الأهلية وأنت خائف لذلك بعد كل تجربة من هذا النوع كنت أصاب بدوار برد ورجفان وتفكير وشرود دائمين لكثرة الصدمات وما أكثر ما تعرضت لها بفعل مواجهتي لخوف الحروب وللحالات التي وجدت فيها نفسي عرضة لخطر الموت أو لمجازفة الموت فكنت أتذكر دوماً إخوتي وأهلي الذين قضوا وكنت أصبح مجنوناً حيث أسير على طبيعتي في بعض الأحيان وأتلذذ بخوف الآخرين.

إنه شعور من خسر كل شيء ولا بأس إذا خسر نفسه فلن يغير في الأمر شيئاً أن يصبح في عداد الموتى شخص إضافي من عائلتي الذي هو أنا وبالمناسبة كنت أتلذذ في صغري بفكرة تشييع أفراد أسرتي الذين بقوا على قيد الحياة وأتصور موتهم جميعاً وأبقى أنا على قيد الحياة بطلاً تراجيدياً يواجه مصيره بأنفة بالغة إنها لعبة الموت في بلاد لا تجيد سوى صناعة الموت ولا تفكر أبعد من ذلك أخوتي أحبكم جميعاً الآن كما الأمس.
                                                      يتبع



سيقام حفل توزيع مجاني لهذه السيرة نهار الإثنين ٢٥\٦\٢٠١٢ في  

Monday, 28 May 2012

أريد الرحيل



علي فرزات




هناك في شارع ضيق في الحمرا يعّج بالحانات ويضّج بالموسيقى يقف الشباب والشابات في مجموعات،
يشربون، 
يتحدثون في الحب والسياسة والموسيقى
ويحلمون 
يضحكون ويتمايلون، يستقبلون الصيف بنخب وفرح.

تقف سيارة في رأس الشارع، يترجل منها شاب من جيلهم،
 يلبس الجينز والقميص الأبيض والحذاء المروّس الطويل،
ذقنه مخططة على الموس.
يصرخ بصوت عال غطى بقوته  على موسيقىة تسع حانات:
" راجعة الحرب يا إخوات المنيوكة، راجعة الحرب"
عاد إلى السيارة وذهبت به إلى حيث لا ندري...


هناك على طريق المطار يقطعون الطريق ويحرقون الدواليب...
هنا في سد البوشرية إطلاق نار... 
هناك في اليسوعية سحاسيح بين الكتائب وحزب الله
في طرابلس تبادل لإطلاق نار، يموت الشيخ...ويا لموت الشيخ
بعيدا في سوريا عملية خطف، 
هناك في كاراكاس مسرحية تفتح براديها لتطل القاعدة علينا من الحمرا
هنا على الشاشة السيد يشكر بشار والحكومة السورية والتركية والحريري والله تعالى على نجاح عملية إسترداد المخطوفين.
هناك في الحولة يقتل النظام ٣٢ طفلا ويدفنهم على مرأى الكوكب وبكل برودة أعصاب.
هنا خلف الشاشة رئيس الحكومة جالس ويخبط على رأسه - يغمى عليه - وما يزال
هناك في حماه مجزرة جديدة.
هنا شاب جديد يموت على حاجز جيش.
هناك على الطريق إلى تركيا تلف القافلة وتعود إلى سوريا بالمخطوفين.
هنا نشعل دواليب جديدة ومستعملة.
هناك في الدهاليز محادثات على أعلى المستويات.
هنا في رأسي قرف أعلى من أعلى المستويات.


أريد الرحيل.





Sunday, 27 May 2012

الخادمتان



 لم تكن إبتسام من النوع المجد أو المجتهد في الحياة، ولم تكن من النوع الذي يتحلى بالإصرار لتحقيق أهداف كبرى تؤهلها للترقي في حياتها المهنية مستقبلاً كانت شخصا عادياً تحب الحياة تجد الأطفال مصدرا للتسلية لها لا أكثر ولا أقل وكانت هذه الهواية دافعاً لها لاختيار اختصاصها الدراسي.فهي وبعد أن اجتازت صفوفها الابتدائية والتكميلية بنجاح عادي إن لم تفل محفوف بخطر الرسوب دوماً توجهت فور إنهائها لصف البريفيه إلى التخصص بمادة التربية الحضانية للأطفال رغم معرفتها المسبقة بالسيناريو المرسوم لها فور إنهائها لتخصصها أي أن تصبح معلمة ترعى الأطفال في سنينهم الدراسية الأولىوكان معلوماً لديها المرتب الزهيد الذي تتقاضاه المعلمات في هذه المرحلة التعليمية إلا أنها وبسبب معرفتها لإمكاناتها وتواضع طموحاتها في الحياة كانت راضية عن خياراتها خاصة وأن تخصصها بالنسبة إليها مصدراً للتسلية والترفيه وقضاء الوقت وسط أطفال تستطيع أن تملك حرية الحركة والمبادرة بينهم وتكون هي من يتحكم فيهم ويعطيهم الأوامر في الساعات التي تقضيها معهم.إلا أن خط سير حياتها تضارب مع السيناريو المتواضع الذي وضعته في رأسها. فقبل انتهاء عامها الدراسي الأخير في مهنيتها بقليل وقبل بدئها التفتيش عن مدرسة تستقبلها لرعاية الاطفال في أحد صفوفها جاء إبن خالتها المهاجر من أفريقيا والمطلق حديثاً إلى منزل والديها طالباً يدها للزواج فتحفظت الوالدة بداية ريثما تفاتح إبنتها بالموضوع خاصة وإن للعريس ولدين من زواجه الأول ولا بدّ من رعايتهما وافقت إبتسام على مشروع إبن خالتها من فورها معللة قبولها السريع لوالدتها بأنها كانت سترعى أولاد الغرباء في المدرسة فكيف والحال أن العريس وولداه يمتون إليها بصلة القرابة فإنقطعت عن الذهاب إلى مدرستها فور إبلاغها قرارها لإمها إلا أنها اشترطت جملة أمور على إبن خالتها كان من بينها خادمتان واحدة للمساعدة في ترتيب شؤون المنزل وأخرى للمساعدة في حضانة الطفلين.

                                                                                                                                              عادل نصار

Tuesday, 22 May 2012

شقراء على دراجة

أخرج إلى الشرفة وأتطلع للأعلى...أتنشق دخان سيجارتي وأرسل معه أشواقي فتعلو صعودا..
أدخل إلى غرفة الجلوس وأتطلع خارجا...أراها على دراجة هوائية تمّر مسرعة...ألمح شعرها الأشقر يطير خلفها مسرعا
أدخل فراشي وأتطلع في عتم الليل، أنتظرها...فلا تأتي
أدخل في أحلامي...فتقرع جرس نومي...وتضيء ليلي ببسمة...وتهرب
تهرب على دراجة هوائية مسرعة...في شوارع بيروت...في أرقتها...
تدخل في نفق....هل ستخرج منه سليمة??....طبعا....تخرج مبتسمة
على رأسها تضع سماعات ملونة
في أذنيها موسيقى
كم أتمنى لو كنت أنا موسيقاها...
كم أتمنى لو لدراجتها مقعد في الخلف أجلس عليه وأضمها....ونسرح في شوارع العاصمة...
كحبيبين
كصديقين أو رفيقين....أشد عليها وهي تدور بي...
أصحى من حلمي...
أغلي مياه ركوتي...ألّقم قهوتي...تفوح منها رائحة الهال وتعلو صعودا...
أحمل فنجاني....وأخرچ إلى الشرفة، أتطلع للأعلى...أتنشق دخان سيجارتي وأرسل معه أشواقي فتعلو صعودا
أدخل غرفة الجلوس...أفتح بردياتي، أتطلع خارجا، أراها على دراجة هوائية تمّر مسرعة...ألمح شعرها الأشقر يطير خلفها مسرعا
لم أكن أعلم أن لديها دراجة
لم أكن أعلم أنها تقود الدراجات
لم أكن أعلم أن الدراجات تقودها شقراوات في بيروت
لم أكن أعلم أي شيء...
الآن فات وقت المعرفة...وحان وقت الصمت
لن أتفوه بكلمة....فالكلمات إختراع قديم....
تمحى بلحظة....تحرق الأوراق وتحرق معها الكلمات....
سأحتفظ بكلماتي لنفسي....سأنفخها صعودا مع سيجارتي
ستلتقطها إن أرادت....وستتركها لتطير مع شعرها إن أرادت....
سأفضل صامتا....وسأدعها تسرح وتمرح في المدينة
شقراء على دراجة.... 

رسالة إلى وديع الصافي\ يا قطعة سما

يعني صديقي وديع بدي إعتذر منك ومن شطحاتك ومن لبنانك وبحة صوتك تقلّك "تفي" على هيك قطعة،
هيدا مش قطعة سما خيي وحبيبي إنت...
هيدا إذا شي كثير علي يكون قطعة خرا قاطع عليها وقت طويل  بمخزن معفّن مليان رطوبة إلو سنين...
قطعة مين يا حبيبي والناس عم توّلع دواليب؟
قطعة مين وعندك هيك مشتل من الزعما الكبار العباقرة من كبيرن لوئام وهاب وما يشبهه!
قطعة مين أصلا قدرانة تتحمل شعب في يوّلع ١٠٠ دولاب بالدقيقة وما يفكّر لو لثانية!
قطعة مين قدرانة تستوعب شعب أسرع من "كلينت إيستوود" بالكبس على الزنبرة!  أكيد سامع بالزنبرة
 قطعة سما يا منيك ومن كل عقلك؟
وحاطط عصافير بمقدمة الغنية؟ إنو عم تهيينا لدخول المزرعة؟ زبطت معك
ولوحات الله راسمها...إيه بطّلو مبينين غطاهن دخان الدواليب إذا شي
والشطحات صارو أخرآ من الخرا حبيبي

صديقي وّفر على شفافك صلا، وقول لكل الحواليك كمان يخففوا صلا ويشوفولن شي شغلة ثانية يعبوا وقتن فيها!
لأن الصلا ما عم بجيب غير حرق الدواليب بالشارع
وإستفراغ عندي بالبيت.

شكرا لسماعك.
الحمار الإرهابي






Wednesday, 25 January 2012

بدي أعمل منك تبولة يا جبران يا باسيل



مرة جديدة أستيقظ في الصباح على صوت أبو حسين، الناطور في البناية الملاصقة وهو يردد ويقول:

"
بدي أعمل منك تبولة يا جبران يا باسيل

بدي أعمل منك تبولة يا جبران يا باسيل"


ترّد عليه إم حسين:

"
عجّل يا أبو حسين، حسين علقان بالأسنسر"


أقوم من تختي بنشاط عجيب غريب، وغير مماثل لأي نشاط سابق خاصة على الستة الصبح

أعربش على "بو الزريعة" وأمدّ رأسي من بين شتلتين، أفتّش عن أبو حسين، لا أراه

أتطلع حولي وإلى الأعلى أرى جيراني وجاراتي جميعا،

كلهم بثياب النوم، من المقّمر والمقلم مرورا بالشفاف وشعر الصدر من تحت الفانيلة (وليس الفلنال)....

كلهم يبحثون عن أبوحسين من بين الشتل أو من خلف البرادي أو حبل الغسيل...


الكل مزعوج والكل صامت، ليس من أحد يجرؤ على توجيه أي ملاحظة لأبو حسين، فبحوزته مفاتيح كل سيارات البناية التي 

يعمل فيها كناطور وهو أيضا معروف بتهوره

فجأة يخرج أبو حسين مسرعا من باب بيته وهو يعيد:

"
بدي أعمل منك تبولة يا جبران يا باسيل

بدي أعمل منك تبولة يا جبران يا باسيل"


ويدخل باب البناية وبيده مفتاح....يغيب عن أنظارنا لبضع دقائق ... 

نسمع شرمطته منخفضة مع بعض الكلمات مثل:

"
كهربا، أسنسير،كس، جبران،، البلد،"

نسمع أيضا بعض من كلمات أم حسين:

"
لقط، وقع، قشط، علّي شوي، إيه بس خليك"


نسمع بعض الدبيك ثم نرى حسين راكضا وخلفه أبو حسين حاملا مفتاح جنط محاولا ضربه وهو يردد


"
بدي أعمل منك تبولة يا جبران يا باسيل

بدي أعمل منك تبولة يا جبران يا باسيل


ترد عليه أم حسين:

"مش بمفتاح الجنط يا أبو حسين خليني جبلك سكينة"






لم أسمع صوت حسين حينها...

لعله أصبح صحن تبولة بدلا من جبران.




حقوق الصورة (الرسمة) لتريلا

Sunday, 15 January 2012